المقريزي
29
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
وقربات الجلاب ، وطمافير الزلابية ، والسمك المعروف بالبوريّ ، ومن رسم النصارى في الميلاد اللعب بالنار . ومن أحسن ما قيل : ما اللعب بالنار في الميلاد من سفه * وإنما فيه للإسلام مقصود ففيه بهت النصارى أنّ ربهم * عيسى ابن مريم مخلوق ومولود وأدركنا الميلاد بالقاهرة ومصر ، وسائر إقليم مصر موسما جليلا يباع فيه من الشموع المزهرة بالأصباغ المليحة ، والتماثيل البديعة بأموال لا تنحصر ، فلا يبقى أحد من الناس أعلاهم وأدناهم حتى يشتري من ذلك لأولاده وأهله ، وكانوا يسمونها : الفوانيس ، وأحدها فانوس ، ويعلقون منها في الأسواق بالحوانيت شيئا يخرج عن الحدّ في الكثرة والملاحة ، ويتنافس الناس في المغالاة في أثمانها حتى لقد أدركت شمعة عملت فبلغ مصروفها : ألف درهم وخمسمائة درهم فضة عنها يومئذ ما ينيف على سبعين مثقالا من الذهب واعرف السؤال في الطرقات أيام هذه المواسم ، وهم يسألون اللّه أن يتصدّق عليهم بفانوس ، فيشتري لهم من صغار الفوانيس ، ما يبلغ ثمنه الدرهم ، وما حوله ثم لما اختلت أمور مصر ، كان من جملة ما بطل من عوايد الترف ، عمل الفوانيس في الميلاد إلّا قليلا . الغطاس : ويعمل بمصر في اليوم الحادي عشر من شهر طوبه « 1 » ، وأصله عند النصارى ، أنّ يحيى بن زكرياء عليهما السلام المعروف عندهم بيوحنا المعمدانيّ : عمّد المسيح أي غسله في بحيرة الأردن ، وعندما خرج المسيح عليه السلام من الماء ، اتصل به روح القدس ، فصار النصارى لذلك يغمسون أولادهم في الماء في هذا اليوم ، وينزلون فيه بأجمعهم ، ولا يكون ذلك إلا في شدّة البرد ، ويسمونه يوم الغطاس ، وكان له بمصر موسم عظيم إلى الغاية . قال المسعوديّ : ولليلة الغطاس بمصر شأن عظيم عند أهلها لا ينام الناس فيها ، وهي ليلة الحادي عشر من طوبه ، ولقد حضرت سنة ثلاثين وثلاثمائة ليلة الغطاس بمصر ، والإخشيد محمد بن طفج أمير مصر في داره المعروفة بالمختار في الجزيرة الراكبة للنيل ، والنيل يطيف بها ، وقد أمر فأسرج في جانب الجزيرة ، وجانب الفسطاط ألف مشعل غير ما أسرج أهل مصر من المشاعل والشمع ، وقد حضر بشاطئ النيل في تلك الليلة آلاف من الناس من المسلمين ، ومن النصارى منهم في الزواريق ، ومنهم في الدور الدانية من النيل ، ومنهم على سائر الشطوط لا يتناكرون كل ما يمكنهم إظهاره من المآكل والمشارب والملابس ، وآلات الذهب والفضة ، والجوهر والملاهي ، والعزف والقصف ، وهي أحسن ليلة تكون بمصر ، وأشملها سرورا ، ولا تغلق فيها الدروب ، ويغطس أكثرهم في النيل ، ويزعمون أنّ ذلك أمان من المرض ونشزة للداء .
--> ( 1 ) طوبه : كانون الثاني .